الشيخ محمد السند
89
تفسير ملاحم المحكمات
وأمّا العبادة بمعنى التأليه والربوبيّة والخضوع الخاصّ للخالق المستحقّ لُاصول النعم بالذات ، فهي خاصّة به تعالى ، وإن كانت كيفيّتها بدلالة هداية النبيّ وأهل بيته ، وبطاعتهم في كيفيّة الخضوع للَّهتعالى . وعلى ضوء ذلك يتبيّن أنّ الدين الحنيف ليس قائماً على نفي الوسائط وعلى نفي الارتباط بها ، بل هو قائم على إقامة تلك الوسائط ، كآيات ودلالات وأبواب منها يتّجه إلى الساحة الربوبيّة ، وأنّ بدونها لا تفتّح أبواب السماء ، وأنّها الأسماء الإلهيّة التي يدعى بها الباري تعالى ، كما مرّت الإشارة إلى ذلك في البسملة ، والمقالة السابقة قد حصل فيها الخلط بين الوسائط التي تصدّ عن سبيل اللَّه من الجبت والطاغوت ، والوسائط التي هي طرق إلى اللَّه والآيات الدالّة على رضوانه ونعيمه . فخلطوا بين أبواب الجحيم وأبواب الجنان ، وبين الصراط المستقيم وصراط الجحيم ، وإلّا كيف ينفي الصراط وهو من ضروريّات الدين . ثمّ إنّ الحال في التوحيد في الاستعانة باللَّه تعالى ، كما مرّ في التوحيد في العبادة ، وحصرهما به تعالى أيأنّ المراد منها أنّ المستحقّ للعبادة بكلّ معانيها بالذات هو الباري تعالى ، وأمّا غيره تعالى فثبتت له بعض المعاني كالطاعة والاتّباع والتولّي بالتبع ، ولا ينافي ذلك التوحيد بعدما كانت تلك الموارد أبواباً وطرقاً إليه تعالى ، فكلّها مظاهر توحيد اللَّه في العبادة ، في قبال الموارد التي تصدّ عن سبيل اللَّه وعن التأدية إليه . كذلك الحال في التوحيد في الاستعانة ، فإنّ العون منه تعالى بالذات ، وهو الغنيّ المطلق وغيره فقير إليه تعالى مهما تعاظم خلقه ، ولكن بتبع اللَّه تعالى وإغنائه وإقداره للمكرّمين تكون الاستعانة بهم بالتّبع هي من مظاهر الاستعانة به